المغرب والأزمة الرأسمالية العالمية- مقابلة مع ميمون الرحماني – جريدة المناضل-ة عدد 41

تشتد أزمة النظام الرأسمالي و تتسع، متخذة أشكالا غير مسبوقة، و البلدان التابعة في مهبها من موقع ضعيف. المغرب، بديونه وتخلفه، معرض في هذا السياق لمضاعفات تلك الأزمة.

بقصد إيضاح حالة بلدنا الاقتصادية، ومفاعيل الأزمة الرأسمالية العالمية الشاملة، التقت جريدة المناضل-ة ميمون الرحموني، عضو سكرتارية جمعية أطاك المغرب، فكان الحوار التالي. هدية رأس السنة للقارئ-ة ، مع جزيل الشكر لميمون

المغرب مقبل على تنصيب حكومة جديدة، في سياق نضالي متميز، وفي ظروف أزمة رأسمالية خانقة متعددة الأبعاد، ولكلا الأمرين انعكاسات على الوضع المحلي للبلد. الدولة تواصل التأكيد على عافية الاقتصاد المحلي وتحمله للصدمات الخارجية وبخاصة أمام الأزمة الاقتصادية العالمية الجارية منذ 2007، والتي يبدو أنها ستعمر لسنوات أخرى.

يعيش العالم منذ 2008على إيقاع أزمة عالمية، عامة وشاملة، متعددة الأبعاد: مالية، اقتصادية، غذائية، بيئية إيكولوجية، مؤسساتية، حضارية، أزمة حكامة، أزمة الديون…

إنها أزمة الرأسمالية، بل هي أخطر وأقوى الأزمات التي عرفها النظام الرأسمالي بعد الأزمة المعروفة ب »الانهيار الكبير » والتي امتدت من 1873 إلى 1896 والأزمة المالية التي اندلعت في 1929 واستمرت قرابة 20 سنة.

هي إذن أزمة نظامية أصبح معها مجموع النظام المالي على حافة الانهيار، وأضحت الدولة مجرد « إطفائي » مهمته إخماد الحرائق التي أشعلتها نيران الأزمة الرأسمالية.       

والمغرب، كباقي دول المعمور، لم يسلم من هول كارثة هذه الأزمة التي أدت إلى فقدان 50000 منصب شغل في قطاع النسيج لوحده، عند بداية الأزمة، وإلى تضرر باقي القطاعات التي تشكل دعامة الاقتصاد المغربي، وبخاصة قطاع السياحة والجلد وتجهيزات السيارات. إضافة إلى تراجع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وانخفاض عائدات مبيعات الفوسفاط وبعض المواد الفلاحية، وبالتالي تراجع احتياطيات الخزينة من العملة الصعبة،وارتفاع عجز الميزانية، إلخ. وفي الوقت ذاته ارتفع حجم المديونية وأصبحت تكاليف الدين العمومي (الداخلي والخارجي) تشكل عبئا ثقيلا بالنسبة لميزانية الدولة.

 أربع سنوات من أزمة اقتصادية عالمية حادة، ولا مقدمات خروج من الأزمة بعد، ما الذي يجري في الرأسمالية اليوم؟

تجدر الإشارة في البداية إلى أن الأزمات المالية المتكررة هي من طبيعة النظام الرأسمالي. فالأزمة، كما الحال بالنسبة للنمو هما وجهان لمنظومة واحدة للرأسمالية. وبالتالي سيكون من الخطأ الاعتقاد أن الأزمة العالمية الحالية تؤسس [وحدها] لمرحلة نهاية الرأسمالية. ففي ظل الأزمات والحروب يتعايش النظام الرأسمالي ويتقوى.

وأزمات النظام الرأسمالي نوعان: الأزمات الكلاسيكية ( (cycles classiques التي غالبا ما تكون مسبوقة ب « فائض » من المضاربات، والأزمات ذات الإيقاع الطويل ((Rythme long. وكلا الأزمتين نتيجة لتناقضات النظام الاقتصادي.

وقد عرف النظام الرأسمالي عدة أزمات مالية طيلة القرن 19 وبداية القرن 20 إلى غاية 1929، كانت كلها ناتجة عن تناقضات الرأسمالية التنافسية قبل أن يمر الاقتصاد العالمي بفترة الازدهار التي امتدت من  1945 (نهاية الحرب العالمية الثانية) إلى مطلع السبعينيات (بالضبط في 1973 مع اندلاع أزمة البترول)، وهي الفترة المعروفة في الأدبيات الاقتصادية ب « ثلاثينيات الرفاه » (Les trente glorieuses). ومع بداية تسعينيات القرن الماضي شهد النظام الرأسمالي عدة أزمات مالية مست مجموعة من دول الجنوب بالأساس: المكسيك (1994-1995)، الأزمة المالية الآسيوية (1997-1998) التي انطلقت من التايلاند وامتدت إلى كل الدول الآسيوية ثم إلى أمريكا وأوربا وكادت أن تعصف بالاقتصاد العالمي، روسيا (1998)، البرازيل (1999)، تركيا (2000)، الأرجنتين (2001-2002)، البرازيل من جديد (2002).

كانت المضاربات بالأسواق المالية[i] السبب الرئيسي والمباشر لكل هذه الأزمات، إضافة إلى الحركات المباغتة لرؤوس الأموال (الاستثمارات الأجنبية) بحيث حولت الرساميل المالية وجهتها من الجنوب إلى الشمال نحو الأسواق المالية الآمنة مخلفة وراءها أزمات بدول الجنوب.

إننا إذن تجاه أزمة ذات إيقاع طويل ستستمر ما بين 10 إلى 15 سنة على الأقل، وكل الحلول المقترحة حتى الآن هي حلول ترقيعية من داخل النظام الرأسمالي لم ولن تؤتي أكلها لأنها اقتصرت على إنقاذ البنوك والشركات الخاصة المفلسة بضخ أموال عمومية لا شك وأن الشعوب في أمس الحاجة إليها. وهكذا تم تحويل الديون الخاصة إلى ديون عمومية ودخلنا مرحلة جديدة من الأزمة تتمثل في أزمة المديونية التي تتخبط فيها العديد من الدول الأوربية.

كل التحليلات تشير إلى أن الدول النامية لم تطلها الأزمة بالحدة ذاتها التي ضربت بها المراكز الرأسمالية الكبرى، كيف ترى المسألة، أليس الأمر مجرد طمأنة؟

الدول النامية تعيش في الأزمة منذ سنوات خلت، لدرجة أنها تعودت عليها. وبالضبط منذ أزمة المديونية لسنوات الثمانينات التي تلتها برامج التقويم الهيكلي، أو بالأحرى برامج التفقير الهيكلي التي أوصلت دول الجنوب إلى ما هي عليه اليوم وجعلتها تحث رحمة المؤسسات الاقتصادية العالمية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة)، حتى أضحت كل السياسات المطبقة من طرف حكومات دول الجنوب تملى من قبل هذه المؤسسات التابعة للدوائر الامبريالية العالمية.

لكن بالرجوع إلى الظرفية التي جاءت فيها الأزمة الحالية، وبالضبط منذ 2004 إلى منتصف سنة 2008 عرفت الأسواق العالمية ارتفاعا مستمرا ومتزايدا لأثمان المواد الأولية وبعض المواد الفلاحية. مما أدى إلى ارتفاع احتياطيات الصرف[ii] ((Les réserves de change التي وصلت إلى مستويات أعلى بدول الجنوب المصدرة للمواد الطاقية والمنتوجات الفلاحية. هذا هو الاختلاف الوحيد بين الأزمة الحالية وأزمة الديون لسنوات الثمانينات التي رافقها تراجع أثمان المواد الأولية في الأسواق العالمية مما جعل آنذاك دول الجنوب تلجأ من جديد إلى المديونية لسداد فوائد الدين. لكن في ظل الأزمة الحالية، وإن تراجعت نسبيا أثمان المواد الأولية في النصف الثاني من سنة 2008، فإنها عادت لترتفع في 2009 وظلت مستقرة في مستويات لم تبلغها منذ عشرات السنين. هذا ما يجعل، حتى الآن، دول الجنوب في مأمن لأن الاحتياطيات الهامة من العملة الصعبة التي تتيحها صادراتها من المواد الأولية تمكنها من تسديد ديونها الخارجية.

 بعد فترة من إنكار وقع الأزمة، عادت الدولة ومؤسساتها للإقرار بأثر الأزمة على الاقتصاد المحلي، ما تلك الآثار، وما درجة حدتها وانعكاساتها؟

كان للأزمة العالمية انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المغربي إذ تراجع الطلب على الصادرات المغربية، وعلى رأسها الفوسفاط والمواد الغذائية، بحيث تراجعت صادرات الفوسفاط ومشتقاته في 2009 بنسبة 65.6 %  وصادرات المواد الكهربائية والإلكترونية بنسبة 36.3 % وصادرات النسيج  والجلد ب 4.1 %. كما انخفضت المداخيل الجبائية بنسبة 12%. وارتفع العجز التجاري الذي وصل إلى 138 مليار درهم في شتنبر 2011.

قطاع السياحة بدوره لم يسلم من تأثيرات الأزمة بحيث عرف انخفاضا خلال سنة 2008 بنسبة 3.5 % مقارنة مع 2007. وتتحدث شركات النقل السياحي عن تراجع أنشطتها بنسبة تتراوح بين 20 و 40 %. فكل المهن المرتبطة بقطاع السياحة تعاني اليوم من الأزمة: النقل بكل أنواعه، شركات كراء السيارات، المطاعم، المرشدين السياحيين…

وتراجعت أيضا عائدات المغاربة المقيمين بالخارج بنسبة 2.4 % في 2008 مقارنة مع 2007 وبنسبة 12.5 % خلال النصف الأول من 2009 مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2008، وهي في انخفاض تدريجي نتيجة الكساد الاقتصادي وتفاقم مشكل البطالة بأوربا.

وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة هي الأخرى بنسبة 34.5 %، وبنسبة 15.7 %في شتنبر 2011. لتصل إلى 44 مليار درهم. وعرف الحساب الجاري للميزان التجاري عجزا لا يقل عن 4.8 % من الناتج الداخلي الخام.

وكنتيجة لما سبق انخفض احتياطي المغرب من العملة الصعبة، بحيث بلغت احتياطيات الصرف 174.6 مليار درهم في شتنبر 2011 ولم تعد تغطي سوى 5.5 أشهر من الواردات مقابل 11 شهرا في 2005. هو وضع مقلق إذن سيتفاقم أكثر جراء ارتفاع حجم المديونية العمومية، مما سينعكس لا محالة سلبا على الأوضاع الاجتماعية.

يوجد مشكل الديون في صلب الأزمة الراهنة، ما وضع البلد على هذا المستوى؟ وما المقصود بالدين الكريه؟ وماذا عن افتحاص الدين الذي ترفعه الحركة المناضلة ضد المديونية؟ 

بلغت الديون العمومية (الداخلية والخارجية) للمغرب مع متم 2010 ما يناهز 479.2 مليار درهم (حوالي 57.5 مليار دولار)، أي ما يعادل حوالي 61 % من الناتج الداخلي الخام، محققة ارتفاعا بلغ 11.3% مقارنة مع سنة 2009. وقد سجلت الديون العمومية الخارجية في 2010 ارتفاعا مهما وصل إلى حوالي 14 % مقارنة مع 2009 لتصل إلى 173.4 مليار درهم (20.8 مليار دولار و 15.5 مليار أورو)، وهي تمثل بذلك 22.3 % من الناتج الداخلي الخام. وللإشارة فالدين العمومي الخارجي كان قد تقلص بنسبة مهمة، من 21.3 مليار دولار سنة 1992 إلى 12.4 مليار دولار سنة 2005، غير أنه عاد ليعرف ارتفاعا متزايدا خلال الخمس سنوات الأخيرة بحيث بلغ 13.6 مليار دولار في 2006 و15.9 مليار دولار في 2007 و 16,6 مليار دولار في 2008 و 19.8 مليار دولار في 2009 وهو ما يعني أن المغرب أصبح يلجأ للمديونية الخارجية من جديد لتسديد عجزه الخارجي الذي تفاقم بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة وبخاصة البترول. إضافة إلى ما تفرضه الظرفية السياسية والاجتماعية من مصاريف إضافية. في حين وصل إجمالي الديون العمومية الداخلية في 2010 إلى 305.8 مليار درهم، أي ما يقرب من ضعف الديون العمومية الخارجية، وتتوزع ما بين الدين العمومي الداخلي للخزينة الذي وصل مع متم 2010 إلى 292.1 مليار درهم، مقابل 266.4 مليار درهم في 2009، أي بنسبة ارتفاع بلغت 9.65 % ليمثل بذلك 37.5 % من الناتج الداخلي الخام. 95 % من هذه الديون الداخلية تتم عبر إصدار سندات الخزينة، مما يعني أن الدولة تستدين من مواطنيها..! والديون العمومية الداخلية المضمونة[iii] التي بلغت 13.7 مليار درهم محقة بذلك ارتفاعا مهما وصل إلى 16 % مقارنة مع السنة الماضية.

ويعتبر تسديد الديون أداة رئيسية لفرض برامج تقشفية تعمق تدهور الوضع المعيشي للفئات الشعبية.  وتستخدم كأداة لتحويل جزء من الثروة المحلية إلى الرأسمال الأجنبي والمحلي. فخدمة الدين (فوائد + حصة الدين الأصلي) تمتص سنويا حوالي 94 مليار درهم كمعدل لسبع سنوات الأخيرة (ما بين 2004 و 2010)، منها 18,7 مليار درهم مخصصة للدين الخارجي و حوالي 75,3 مليار درهم  للدين الداخلي.

وقد سدد المغرب بين 1983 و 2010 إلى الخارج ما يفوق 98 مليار دولار، أي ما يعادل 7 مرات دينه الأصلي، ومازال بذمته أزيد من 20 مليار دولار حاليا.

وللإشارة فخدمات الدين العمومي حطمت الرقم القياسي في نهاية 2010 بحيث بلغت 117.2 مليار درهم، أي ما يعادل أكثر من 34 % من الميزانية العامة للدولة. أكثر من 86.9 % منها، أي ما يصل إلى 101.8 مليار درهم تمثل تكاليف الدين العمومي الداخلي في حين لم تتعدى نفقات الدين العمومي الخارجي 15.5 مليار درهم. وبالتالي فخدمات الدين العمومي للمغرب في 2010 تفوق ,710 مرات ميزانية الصحة وتتعدى ضعف الميزانية المخصصة لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي (بما فيها تكوين الأطر والبحث العلمي)، وتمثل 67,5 % من المداخيل الجبائية وأكثر من 2,5 مرة الميزانية المخصصة للاستثمارات العمومية !

إن ارتفاع تكاليف الدين وعودة المغرب للمديونية الخارجية هو بمثابة إقرار بفشل خيار تحويل الديون العمومية الخارجية إلى ديون عمومية داخلية، الأمر الذي يؤكد على أن المغرب لا زال يقبع في الحلقة المفرغة للمديونية باعتبار أن كل الخيارات بما فيها تلك المملاة من قبل المؤسسات المالية الدولية وخاصة الوصفات الجاهزة المقدمة في إطار برامج التقويم الهيكلي لم تكن ناجعة بل زادت الوضع تعقيدا وأدت إلى تركيز الرأسمال الأجنبي بالمغرب عبر سيطرته على كل القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني.

إن هذا الوضع يستدعي إجراء افتحاص دقيق للديون العمومية المغربية، الداخلية منها والخارجية، من قبل لجنة مستقلة يمكن أن تستعين بخبراء أجانب. يكون الهدف من هذا الافتحاص تحديد الجزء غير المشروع أو الكريه من الديون وإلغاءه. ويقصد بالديون غير المشروعة تلك المترتبة عن قروض غير مشروعة. ويقصد بالقروض غير المشروعة تلك التي، عند التوقيع على العقدة أو إعادة التعاقد أو إعادة التفاوض بشأنها من خلال ما يتم تمويله بها (القروض ) أو فيما يتعلق بآثارها، تعيد إنتاج أو تخلق ظواهر (قمع الشعوب، جرائم الإبادة، الحروب الامبريالية، الرشوة، التوزيع غير العادل للثروات، التعسف، تدمير البيئة…) وآليات وتصرفات تؤدي إلى المس بحقوق الإنسان: حقوق فردية أو جماعية (مدنية، سياسية، ثقافية، اقتصادية ) أو الحق في التنمية، الهوية أو الحق في العيش السليم أو الكريم.

ويمكن أن نميز بين أربعة أشكال للقرض غير المشروع:  

1-    قرض من أجل تقوية الأنظمة الديكتاتورية (قرض غير مقبول)

2-    قرض بسعر فائدة ربوي (شروط غير مقبولة)

3-    قرض لدولة معروفة بضعف قدرتها على السداد (قرض غير ملائم)

4-    قرض مفروض بشروط من المؤسسات المالية الدولية تخلق وضعية اقتصادية تؤدي لصعوبة أو استحالة السداد (شروط غير ملائمة، غير مناسبة).

وأما مصطلح « الدين الكريه » فكان ألكساندر ساك – Alexander sack (وزير سابق بروسيا وأستاذ القانون بباريس) أول من استعمله سنة 1927. فحسب ساك: « كل سلطة مستبدة تحصل على دين ليس لحاجيات ولا لأهداف الدولة ومصالحها، وإنما لتقوية النظام المستبد، من أجل قمع الساكنة التي تناهضه (تحاربه). هذا الدين يعتبر دينا كريها بالنسبة لساكنة الدولة كلها وهو بالتالي دين غير مقبول، هو دين النظام، دين خاص بالسلطة التي أخذته. وبالتالي فإن هذا الدين يسقط بسقوط النظام ».

فالدين الكريه إذن هو كل دين تم الحصول عليه من طرف حكومة غير مشروعة أو أن استعماله كان مخالفا لحاجيات الشعب ومصالحه.

أليس يوجد فعلا مخرج للدولة من غير الديون والخوصصة وتوسيع الوعاء الضريبي للجواب عن الأزمة، بعبارة أخرى هل الجواب هو مواصلة نفس السياسات النيوليبرالية التي عمرت ل 30 سنة تحت وصاية المؤسسات المالية العالمية؟

السياسات النيوليبرالية المنتهجة منذ بداية الثمانينات أدت إلى تفقير الشعوب وإلى تكريس فوارق اجتماعية خطيرة، وبصفة عامة إلى جعل الحكومات بالدول النامية، ومنها المغرب، خاضعة للوصفة الجاهزة للمؤسسات الاقتصادية الدولية ولإملاءاتها. فكل السياسات المطبقة ببلدان الجنوب (وحتى بعض بلدان الشمال مع أزمة الديون الحالية) مصدرها الدوائر الامبريالية العالمية ومؤسساتها المالية، وبخاصة صندوق النقد الدولي. وبالتالي فمواصلة تطبيق هذه السياسات غير ذي جدوى. بالنسبة للمغرب هناك بدائل ممكنة ومنها أساسا وقف تسديد الديون، وقف المشاريع الضخمة التي لا يستفيد منها الشعب والتي تعتبر بمثابة « فيلة بيضاء »، الامتناع عن تقديم الهدايا للشركات الخاصة في إطار ما يعرف بالتكاليف الجبائية (تحفيزات وإعفاءات ضريبية) تصل سنويا إلى حوالي 30 مليار درهم، أي ما يعادل ضعف العجز في الميزانية لسنة 2009 و ما يقرب من عجز ميزانية السنة المالية 2010 الذي بلغ 35 مليار درهم. بتعبير آخر أنه يمكن تغطية عجز الميزانية وتفادي اللجوء إلى مزيد من الديون. كما يلزم إجراء افتحاص للديون وإلغاء الجزء غير المشروع مع تخصيص جزء هام من تكاليف الدين للقطاعات الاجتماعية الحيوية كالتعليم والصحة. وغير هاته وتلك من الإجراءات الهادفة إلى إعادة توزيع الثروات بشكل عادل وإقرار نظام جبائي ناجع وعادل.

تشهد البلد حالة نضالية رائعة بقيادة حركة 20 فبراير التي أنعشت النضال الشعبي فضلا عن ذلك، لكن حتى الآن لم يبلغ الرد النضالي مستوى يوازي عنف الأزمة، ما السبيل لذلك؟ وهل تستطيع الحكومة الجديدة فعلا تلبية تطلعات الجماهير الشعبية للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟

صحيح أن حركة 20 فبراير، بنضالها المستمر طيلة سنة 2011، غيرت نسبيا الوضع في المغرب وأججت نضالا وحراكا شعبيا لم يعرفه المغرب منذ عشرات السنين. لكن مطالبها كانت بالأساس ذات بعد سياسي واجتماعي ولم ترقى إلى مستوى الاحتجاج والنضال ضد الأزمة الرأسمالية كما يحدث مع حركة الغاضبين والحاقدين في أوربا وأمريكا. فالشعارات التي ترفعها الحركة ناذرا ما نلمس فيها مطالب اقتصادية وسياسية في علاقة مباشرة بالأزمة المالية العالمية بالرغم من أن الأوضاع الاجتماعية هي، في جزء منها، ناتجة عن تأثيرات الأزمة. وبالتالي على الحركة أن تطور مطالبها وترفع شعارات جديدة من قبيل « الشعب يريد إسقاط الديون » و « لا لتسديد فاتورة الأزمة »، وغيرها من الشعارات ذات البعد الأممي، في تلاقي مع الحركة العالمية المطالبة بإقرار ديمقراطية حقيقية والآن.

المفارقة الكبيرة هي أن الثورات العربية (مصر وتونس وليبيا)، كما الحال بالنسبة للحراك الشعبي في المغرب أوصل إلى الحكم أحزابا ليبرالية لن تغير في الوضع شيئا، وستواصل تطبيق نفس السياسات ونفس الإملاءات التي لم تؤدي إلا إلى إغناء الأغنياء وتفقير الفقراء. مما يعني أنه ما زالت تنتظرنا سنوات أخرى من النضال من أجل تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية.


  يصل حجم المضاربات بالأسواق المالية العالمية إلى حوالي 1200 مليار دولار يوميا.[i]

 مع متم 2007، بلغت احتياطيات الصرف بالدول النامية ما مجموعه 4600 مليار دولار في الوقت الذي لم تتعدى احتياطيات  [ii]

الصرف بالدول الصناعية الكبرى ثلث هذا المبلغ- حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي.   

[iii]  – الديون التي تضمنها الدولة للمؤسسات العمومية، وقد همت بالأساس في 2009 المكتب الوطني للكهرباء (34 %)، الشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب (19 %)، المكتب الوطني للماء الصالح للشرب (9 %)، المكتب الوطني للسكك الحديدية (8 %)، إضافة إلى الخطوط الملكية المغربية (8 %) وصندوق تمويل الطرق (5 %).

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s