واقع الفقر بالمغرب بين المقاربات المؤسساتية والبدائل الممكنة

        I. مفهوم الفقر:

يدلّ مفهوم الفقر على وجود أوضاع وظروف معيشية لفئات اجتماعية، وهي أوضاع تتسمم بالحرمان على مستويات مختلفة: الدخل (أو انعدامه) والغذاء والملبس والسكن والتعليم والصحة. وبصفة عامة الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية.

كما يعرف الفقر على أنه عدم القدرة على بلوغ الحد الأدنى من الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تمكن الفرد من أن يحيا حياة كريمة. والفقر له أبعاد وأشكال متعددة، هناك بعد اقتصادي، إنساني، سياسي، سوسيو ثقافي، وقائي.

نميز بين الفقر الغذائي و الفقر النسبي و الفقر المطلق.

يقاس الفقر الغذائي بتكلفة سلة السلع والخدمات الغذائية لدعم الحد الأدنى من السعرات الحرارية المطلوبة المقدرة ب 2400 سعرة حرارية يوميا للشخص الواحد (المعايير التي أوصت بها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية). و تقدر العتبة ب 1957 درهم لكل شخص في السنة في المجال الحضري و 1901 درهم في المجال القروي.

يعرف الفقر النسبي بعتبة الفقر الغذائي بالإضافة إلى تعويض غير غذائي ينفق حسب الأسر بعد استيفاء الحد الأدنى من الدعم المطلوب. و تقدر العتبة ب 3235 درهم  في المجال الحضري و 2989 درهم في المجال القروي.

و يقال أن أسرة تحت عتبة الفقر المطلق عندما تحقق النفقات غير الغذائية دون التمكن من تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية. و تقدر العتبة ب  2659  درهم في المدينة و 2543 درهم في البادية.

     II.  المقاربات المؤسساتية لإشكالية الفقر

1)        خريطة الفقر – « poverty mapping » ، المصممة من قبل خبراء من البنك الدولي [i]، تقارب الظاهرة على المستوى الوطني والإقليمي و للمرة الأولى  على المستوى المحلي.
بموجب هذه التقنية التي تقيس الفقر من خلال الإنفاق وليس الدخل، قام المغرب بتعداد 4 ملايين فقير في عام 2005، مع 13.7 ٪ كمعدل الفقر النسبي[ii].
إلا أن معدل الفقر في البوادي (23.1 ٪) يمثل تقريبا ثلاث أضعافه في المدن الذي يمثل فيها 6.3 ٪ (2000/2001) مقابل ضعفيه في عام 1985 و 1.4 مرة في عام 1960.

وحسب خريطة الفقر هذه فإن الفجوة تتسع أكثر فأكثر في اتجاه التباين والتفاوت، بحيث ينفق 10 ٪ من الأكثر غنى ما يقارب 12 مرة ما ينفقه 10 ٪ من الأكثر فقرا، الذين لا يحققون سوى 2.5 ٪ من الإنفاق الوطني الإجمالي للأسر. و50 ٪ من الأسر الأكثر فقرا لا يحققون إلا 24 ٪ من الكتلة الإجمالية للنفقات.

2)        تقرير البنك الدولي بعنوان « الخروج من الفقر [iii] » (Moving-out of poverty)

حسب هذا التقرير يعيش 15 ٪ من سكان المغرب في وضعية فقر، الثلثين منهم يعيشون في الوسط القروي. ويشير التقرير إلى أن أولئك الذين يعيشون على 50 ٪ تحت عتبة الفقر يعتبرون « معرضين اقتصاديا [iv] » للأمراض أو للتقلبات المناخية أو لفقدان العمل. وأن 40 ٪ من السكان يواجهون صعوبات في الحفاظ على نمط عيش متواضع أو مجرد البقاء على قيد الحياة يوما بعد يوم!

كما أثيرت خاصية النوع بحيث أن 2.5 مليون طفل ولا سيما الفتيات لا يذهبون إلى المدرسة و 83 ٪ من النساء أميات.

3)      الدراسة الاستقصائية الوطنية حول مستوى عيش الأسر، التي أجرتها المفوضية العليا للتخطيط في عام 2007 وأعلن عنها في يونيو 2008، و حسب هذه الدراسة فقط 2.8 مليون شخص يعيشون تحت عتبة الفقر! و هكذا فمعدل الفقر هو 9 ٪. وأشار التقرير إلى أنه، منذ عام 2001، خرج 1.7 مليون من المغاربة من براثن الفقر. و يعتقد هذا التقرير أن المغرب لديه فرصة كبيرة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية! وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن الحد الأدنى من السعرات الحرارية التي اعتمدتها هذه الدراسة لقياس نسبة الفقر الغذائي لم تتعدى 1984 سعرة حرارية للشخص الواحد في اليوم، وهي نسبة بعيدة عن المعايير المعتمدة من قبل المنظمة العالمية للصحة.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أنه إذا ما تم تقليص الإحصاءات وخفض عدد الفقراء إلى أدنى حد، فلكي يتم التحضير لإصلاح نظام التعويض الذي سيعمل على الأرجح على التحرير الكامل للمنتجات المعنية حتى الآن و بالتالي على تطبيق « حقيقة الأسعار »، وبالمقابل دفع مبالغ تافهة (من 500 إلى 600 درهم) للأسر الفقيرة جدا، أي ل2.8 مليون شخص فقط! وهذا ما يعني أن الطبقة الاجتماعية المتوسطة هي التي ستتحمل العواقب.

4)        المؤشر المتعدد الأبعاد للفقر

أنجز من قبل جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة  بتعاون مع منظمة الأمم ا لمتحدة، وهو يرتكز على عشرة عوامل متداخلة بما فيها الصحة، التعليم ومستوى المعيشة إضافة إلى الولوج إلى الماء والكهرباء والتطهير… ليبحث من ثم عن تعريف لنقاط تقاطع هذه العوامل على المستوى المنزلي. ويقيم هذا المؤشر مستوى الفقر لدى الفرد والعوامل المسببة في ذلك. وقد شمل البحث الذي أجرته جامعة أكسفورد 104 دول (78 % من سكان العالم) وخلص إلى أن هنالك حوالى 1.7 مليار شخص في العالم يعاني من الفقر، أي بزيادة 400 مليون شخص عن الأرقام الحالية التي أوردتها الأمم المتحدة. كما أن الفقر في الهند أكثر منه في أفريقيا . حوالي 50 بالمائة من سكان الهند يقعون تحت تصنيف الفقراء بحسب المؤشر الجديد. وأفاد التقرير أن نسبة الفقر بالمغرب تصل إلى 28 %.

  III.  التدابير المتخذة لمكافحة الفقر

لا تزال السلطات العمومية تستخدم الوسائل التقليدية لمكافحة الفقر:

–          التعاون الوطني بتقديم خدمات القرب للطبقات الاجتماعية الأكثر حرمانا، ولكنها محدودة جدا.

–         مؤسسة محمد الخامس وصندوق الحسن الثاني و وكالة التنمية الاجتماعية: لا تزال مساهمة هذه المؤسسات لتحسين العجز الاجتماعي ومكافحة الفقر ضعيفة وليس لديها قبول جيد، وربما يرجع ذلك جزئيا إلى تداخل مهامها (مشكل توضيح مهامها). ولكن أيضا بسبب أنشطتها التي ترتكز أساسا على العمل الخيري بتوزيع أطباق الحساء في شهر رمضان و محافظ في الدخول المدرسي وضمادات في المستشفيات…

لم يعد الفقر من المحرمات في المغرب، بالتأكيد، و لكن ينظر إليه بشكل عاطفي ومصطنع.
بانعدام التضامن والحماية الاجتماعية، يلتجأ المهمشون لطرق استثنائية للبقاء على قيد الحياة كالتسول أو الدعارة للبعض والجريمة أو الحمق للبعض الآخر[v]. فحتى المعاقين لا يتمتعون بالحماية ضد هذه الشرور الاجتماعية.

توظيف المجتمع المدني على مدى العقدين الماضيين. تضاعفت الجمعيات و توسعت أنشطتها لتشمل مجالات لم تغطيها السلطات العمومية بما فيه الكفاية. ولتشجيع هذه الجمعيات، تمنح لها الدولة امتيازات ضريبية ومالية مختلفة وفقا لنطاق اشتغالها وطبيعتها القانونية. وبالتالي، يتم دعم عدة برامج ماليا في مجالات التكوين المستمر أو التعليم غير النظامي أو تقديم المساعدة للأشخاص المعاقين أو القروض الصغرى  أو حماية الأطفال.

وعلاوة على ذلك، فالتدابير الليبرالية المتطرفة التي اتخذت في السنوات الأخيرة سوف تزيد من إفقار الفقراء. فبموجب مرسوم مشترك من وزير الصحة و وزير المالية بتاريخ 25 مارس 2004 سوف تزداد تكاليف الفحوصات في المستشفيات العمومية الكبرى بأكثر من 50 ٪ لتصل في بعض الحالات إلى نسبة 100 ٪ فلم يعد هناك مجال لقبول شهادات الضعف. إن مجانية الصحة العمومية في المحك (كما هو الحال بالنسبة للتعليم)، والمرضى الفقراء محكوم عليهم بالإعدام. يتعرض المرضى في المغرب عموما لمعاملات لا إنسانية و محكوم عليهم بالموت إذا لم يكن لديهم ما يكفي من الموارد لتوسيع نطاق وجودهم المادي شيئا ما.
سوف يسرع تقليص مجانية الصحة العمومية مسلسل الإقصاء و يهدد مستقبل الساكنة التي تفتقر أصلا إلى الموارد الضرورية للغاية.
أضف إلى ذلك التدابير التي اتخذت في القوانين المالية الأخيرة (2004 و 2005) والتي تندرج في نفس سياق الإفقار. بوجه خاص، فالزيادة في مساهمات العمال والمأجورين في صناديق التقاعد من 7 ٪ إلى 10 ٪ تمثل زيادة نسبة 01 ٪ كل سنة من 2004 إلى 2006، و أيضا ارتفاع معدل الضريبة عن القيمة المضافة على استهلاك الكهرباء بنسبة 7 ٪ إلى 14 ٪  وفي عام 2005 لم تعد بعض السلع الأساسية مدعمة من طرف صندوق المقاصة، بما في ذلك السكر المكرر والدقيق…! وفي عام 2007 سيتم توسيع القائمة لتشمل جميع المنتجات باستثناء الوقود والغاز.
وبالنسبة للبنك الدولي، فإنه يقترح من بين تدابير ليبرالية أخرى:
• تشجيع تنويع سبل المعيشة وزيادة دعم روح المبادرة.
• تشجيع الاستثمار والتحويلات المالية من الخارج في الأنشطة الإنتاجية المحلية.
• توسيع نطاق الحصول على خدمات المجالس البلدية.
• معالجة أوجه التفاوت بين الجنسين.
• إشراك الشباب في الحياة الاقتصادية والسياسية.

–       المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو كيف يتم خلق فقراء لمكافحة الفقر!

تقوم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ( INDH التي بدأت في عام 2005 بدعم من البنك الدولي، من الناحية النظرية على مقاربة تشاركية. و تتضمن محور مكافحة الفقر في الوسط القروي و محور مكافحة الإقصاء الاجتماعي في الوسط الحضري ومحاربة الهشاشة. و يثير تنفيذها مشاكل ضخمة. فهي، أي المبادرة، تتم أولا بتنسيق من وزارة الداخلية لأسباب أمنية بحتة، و وتيرتها سريعة جدا بالمقارنة مع المهارات والقدرات لرصد الفاعلين: الجمعيات (المختارة من بين الأكثر اعتدالا والأكثر قربا من المخزن) و التعاونيات (التي تكاد تكون منعدمة) و الجماعات المحلية والمصالح الخارجية… وهذه المكونات، التي يتم اختيارها عن طريق لجان متعددة وطنية و جهوية و إقليمية و محلية، لم تستوعب فلسفة المبادرة ولا تتوفر على أطر ذات كفاءات في مجال تركيب وهندسة المشاريع. والجامعة كفاعل أساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم يتم إدماجها!

تقوم وزارة الداخلية، التي لا تعرف كيف تدبر الميزانيات الضخمة التي تتلقاها، وفي غياب مقترحات ملموسة من مختلف الفاعلين، بإطلاق مشاريع لا علاقة لها بالتنمية البشرية: بناء المساجد و المرافق الرياضية وملاعب كرة القدم و مراكز تجارية أو سياحية و ممرات في الوسط القروي… يتم إهدار الأموال في الاحتفالات و المواسم و مهرجانات الغناء والرقص! هذه هي الكيفية التي يتم بها تنمية البشر في المغرب، وليس من قبيل الصدفة بعد أربع سنوات ونصف من مبادرة التنمية البشرية أن يصنف برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUDالمغرب في الرتبة 130، ويرجع ذلك أساسا إلى ارتفاع معدل الأمية والعجز في التعليم والصحة.
لقد تم إنفاق 11.13 مليار درهم ما بين ماي 2005 ويوليوز 2009 في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، يمثل هذا المبلغ ما يقرب من 28 ٪ من ميزانية التعليم و 135 ٪ من ميزانية الصحة لسنة 2009. إذا ما تم تخصيص هذا المال العام للمجالات ذات الأولوية و هي التعليم والصحة، سيكون المغرب قد حصل على بعض النقاط في مؤشر التنمية البشرية! في الوقت الراهن، تعتبر الطريقة التي تدير بها  السلطات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بكل بساطة خلقا للفقراء في الوقت الذي يتم فيه الإدعاء بمكافحة الفقر.

في الختام، يمكن أن نقول أن الفقر ظاهرة معقدة. لمكافحته يجب أن نأخذ في الاعتبار جوانبه المتعددة الأبعاد، عبر معرفة البعد الاقتصادي (انخفاض الدخل و نقص في الاحتياجات الأساسية)، و البعد الاجتماعي (التهميش و التمزق الاجتماعي…)، و البعد السياسي ( المرتبط بغياب الديمقراطية أو المشاركة في اتخاذ القرارات) و البعد الأخلاقي (عدم الاعتراف بحقوق الإنسان والعنف والرشوة…). وبعبارة أخرى، يتعين علينا أن نميز بين الفقر في الوصول السهل إلى السلع والخدمات والمعلومات والمشاركة في اتخاذ القرارات، و الفقر الناتج عن العجز المتراكم في مجالات الصحة أو التعليم أو المواد الأساسية أو العلاقات الاجتماعية.
في الواقع، يجب أن ينظر إلى الفقر كحرمان من القدرات الأساسية، وليس اعتباره انخفاضا في الدخل أو المصروف.

  1. IV.     البدائل الممكنة لمكافحة الفقر

–          توزيع عادل للثروات.

–          فرض ضريبة على الثروات الكبرى.

–          السيادة الغذائية وتحقيق الأمن الغذائي (منع الأجسام المعدلة جينيا والحد من دول الشركات المتعددة الجنسيات).

–          إصلاح زراعي شامل يرتكز على توجيه الفلاحة نحو الاستجابة للحاجيات الأساسية للمواطنين بدل توجيهها نحو التصدير (مخطط المغرب الأخضر).

–          خلق احتياطي (مخزون) مهم من المواد الغذائية.

–          تطوير الخدمات العمومية في المجال القروي: صحة، تعليم، ماء، كهرباء، طرق…

–          إيقاف مسلسل الخوصصة وتحسين جودة ومجانية الخدمات العمومية.

–          إجراء افتحاص للديون العمومية (الداخلية والخارجية) للمغرب وإلغاء الديون غير الشرعية.

–          التراجع عن السياسات الليبرالية المملاة من قبل المؤسسات المالية الدولية (الجبايات، التقاعد وباقي السياسات اللاشعبية المطبقة في إطار قوانين المالية).

إستدراك:

لقد تم تصنيف المغرب في المرتبة 68 في مجال الفقر البشري في سنة 2007 بين 108 من البلدان النامية. و في 2009 تراجع إلى المرتبة 96 ولكن بين 135 من البلدان النامية حسب مؤشر الفقر البشري IPH-1. و نذكر أيضا أن مؤشر الفقر البشري IPH-2   يتم استخدامه لتصنيف البلدان المتقدمة و خاصة بلدان منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية OCDE.

————————————————–
[i] كان البنك الدولي قد اقترح  لبعض البلدان، بما في ذلك المغرب، إتباع نهج جديد لتقييم والتعرف الجيد على الفقر. و تنطوي التقنية على ربط معطيات التعداد العام للسكان مع تلك الخاصة بالدراسة الاستقصائية للنفقات الأسرية.
[ii] إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدخل الفردي وغيرها من مؤشرات التنمية البشرية، نرى أن المغرب لديه الكثير من الفقراء مما يمكن تصوره.
[iii]على أساس دراسة استقصائية شملت 100 أسرة في 3 محافظات.
[iv] حسب البنك الدولي، يتموقع مصروف كل فرد من هذه الساكنة بين عتبة الفقر  و 1.5 أضعاف هذه العتبة.
[v] أوضحت دراسة أجرتها الرابطة المغربية لرعاية الطفولة أن ولاية الرباط- سلا- الصخيرات – التمارة قامت بتعداد لوحدها 500.000 متسول بين الأطفال دون سن 12 سنة خلال 2004. أما الحمقى والمتعاطين للدعارة والجريمة فلا يتم إحصائهم!

ميمون الرحماني

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s