المنتدى الاجتماعي العالمي وآفاق الحركات الاجتماعية

انعقد أول منتدى اجتماعي عالمي في يناير 2001 بمدينة بورتو أليغري البرازيلية في الفترة نفسها التي انعقد فيها المنتدى الاقتصادي العالمي بقرية دافوس بسويسرا. وقد شكل هذا الحدث ميلاد الحركة من أجل عولمة بديلة، لتنقل بذلك حركة مناهضة العولمة من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة نقاش وتحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية وإفراز بدائل للعولمة الرأسمالية. ومنذ ذلك التاريخ والمنتدى الاجتماعي العالمي في توسع وتطور دائمين، بحيث تم تنظيم العديد من المنتديات الاجتماعية العالمية والقارية والوطنية والجهوية والمحلية والموضوعاتية. مما جلب أنظار المهتمين والمتتبعين ووسائل الإعلام الدولية.

وبعد انعقاد دورته الرابعة بآسيا وبالتحديد بمدينة مومباي الهندية، كان لابد للمنتدى الاجتماعي العالمي أن يتوقف بإفريقيا، القارة الأكثر فقرا بالعالم والأكثر تأثرا بالنتائج الكارثية للعولمة الرأسمالية. فبعد تنظيم المحطة الأولى من المنتدى الاجتماعي العالمي اللاممركز بباماكو بمالي في السنة الماضية ( الدورة السادسة )، احتضنت هذا العام نيروبي عاصمة كينيا أشغال المنتدى الاجتماعي العالمي في دورته السابعة.

والمنتدى الاجتماعي العالمي، علاوة على كونه  » فضاء مفتوح للقاء يهدف إلى التفكير ونقاش الأفكار الديموقراطية وصياغة المقترحات وتبادل التجارب بكل حرية… »[1] ، فهو يشكل أيضا محطة للتعبئة ضد السياسات النيوليبرالية والمخططات الامبريالية ومناسبة لوضع أجندة للنضالات على المستوى العالمي ، من خلال نداء يصدر عن الجمع العام للحركات الاجتماعية.

 إن ما يميز المنتدى الاجتماعي العالمي هو تنوع مكوناته: حركات اجتماعية ( نسائية، حقوقية، بيئية…)، منظمات نقابية، شبكات وطنية ودولية، جمعيات ومنظمات غير حكومية، الخ. هذا « التمازج » و »التلاقح » اعتبره البعض مكسبا وميزة كبرى للمنتديات الاجتماعية بتحقيقها ل » الوحدة في ظل الاختلاف والتنوع  » باعتبار أن هذه المكونات، على اختلاف توجهاتها وتباين رؤاها بشأن ذلك « العالم الآخر الممكن » الذي تناضل من أجله، تلتقي كلها عند نقطة حددها ميثاق بورتو أليغري في  » … التنسيق من أجل حركة فعالة من قبل هيئات وحركات المجتمع المدني المعارضة للنيوليبرالية ولسيطرة الرأسمال أو أي شكل من أشكال الإمبريالية على العالم… »

لكن هذا التعايش وسط الاختلاف لا يمكن تصوره بدون مشاكل بل وبدون متناقضات أحيانا. إن ديناميكية المنتديات الاجتماعية، سواء كانت وطنية أو قارية أو عالمية، لا تخلو من متناقضات لكونها تمزج بين توجهين اثنين، حتى لا نقول « تيارين »: الأول يضم الجمعيات التنموية والمنظمات غير الحكومية وبعض الشبكات الدولية وبعض النقابات، يعتبر المنتدى الاجتماعي مجرد فضاء للقاء وتبادل التجارب و »الخبرات » ويقوده « مستثمرون » لهم خبرة وكفاءات في »تنظيم » لقاءات من حجم المنتدى الاجتماعي بما يتطلبه ذلك من تعبئة لمئات بل وآلاف المشاركين، من لوجستيك ومن إمكانيات مالية هائلة تفوق أحيانا ميزانيات مؤتمرات الأمم المتحدة أو المنظمة العالمية للتجارة.

وأما التوجه الثاني فتشكله باقي الحركات الاجتماعية العالمية، أو ما يسميه أنصار التوجه الأول ب « الراديكاليين ». هذه الحركات المناضلة تعتبر المنتدى الاجتماعي كمحطة لتوحيد القوى والتعبئة ضد السياسات النيوليبرالية وضد المخططات الامبريالية. فهي تؤمن بضرورة الانتقال من مرحلة النقاش واقتراح البدائل إلى المواجهة الميدانية.

بعد انعقاد المنتديات الاجتماعية اللاممركزة بكل من باماكو وكاراكاس ( يناير 2006 ) وكاراتشي ( مارس 2006 )، وبعد المنتدى الاجتماعي الأوربي الرابع بأثينا ( ماي 2006 ) ولقاء الحركات الاجتماعية في بروكسيل (شتنبر/ أكتوبر 2006) كان من المنتظر أن ندخل مرحلة الانتقال تلك من القول إلى الفعل. غير أن الذي حدث بنيروبي إبان المنتدى الاجتماعي العالمي في يناير 2007 كان مخيبا للآمال.

المنتدى الاجتماعي العالمي نيروبي 20-25 يناير 2007 : استخلاص الدروس

كان الهدف من عقد المنتدى الاجتماعي العالمي بنيروبي هو إعطاء دفعة جديدة للحركات الاجتماعية الإفريقية، التي ظل حضورها باهتا في المنتديات الاجتماعية السابقة. وبالتالي تمكينها من الاندماج في الحركة ]العالمية[ من أجل عولمة بديلة. هذا علاوة على إبراز النضالات الإفريقية، التضامن معها وربطها بتجارب بعض الدول خاصة بأمريكا اللاتينية. لكن « الأخطاء » التي ارتكبتها اللجنة المنظمة حالت دون رفع هذا التحدي.. وبدل أن نعيش منتدى اجتماعي عالمي مفتوح، ديناميكي وحامل لمعاني قوية، كنا أمام ما يشبه معرضا تجاريا دوليا.. !

لنقف إذن عند أهم هذه التجاوزات (أو الأخطاء المرتكبة)، لنستخلص الدروس:

1تسليع المنتدى الاجتماعي العالمي: بدلا من إشراك الحركات الاجتماعية الكينية، وبصفة عامة الطاقات المناضلة المتطوعة في الإعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي، فضلت اللجنة المنظمة للمنتدى إبرام عقد مع شركات خاصة في جميع مراحل التنظيم : النقل، تسجيل المشاركين، المراقبة والأمن، الترجمة و الإطعام. بالإضافة إلى احتكار البث واحتضان المنتدى من طرف شركة خاصة للاتصالات ( سيلتيل ). منطق التسليع هذا، علاوة على كونه متناقض مع مبادئ ميثاق بورتو أليغري، كانت له انعكاسات سلبية على المنتدى : واجبات التسجيل كانت جد مرتفعة[2]، ضعف مشاركة الحركات الاجتماعية الكينية وعدم إدماج الفئات المستضعفة من المجتمع الكيني[3] ، غلاء المواد الغذائية[4] ، ضعف الترجمة… مما أدى إلى احتكار فضاء المنتدى من طرف المنظمات غير الحكومة وبعض الجمعيات الكنائسية التي لها امكانيات مالية كبرى، وساهم أيضا في حضور منظمات معروفة بعدائها لحقوق النساء وحقوق الجنس.

وبذلك تكون اللجنة المنظمة قد جعلت من المنتدى الاجتماعي العالمي فرصة لصغار وكبار الرأسماليين الكينيين لتحقيق أرباح مهمة، خلال أسبوع من الرواج التجاري والحركة الاقتصادية في بلد يعيش 80 بالمائة من ساكنته تحت عتبة الفقر.

2 عسكرة المنتدى الاجتماعي العالمي: كان الهم الوحيد للجنة المنظمة هو أمن وسلامة المشاركين، لذلك ارتأت تفويض المراقبة لشركة خاصة، إضافة إلى تواجد الجنود ورجال الأمن بقوة. وأقدمت على اتخاذ قرار إنفرادي بتغيير مكان المنتدى الاجتماعي، الذي كان مقررا وسط المدينة، إلى ملعب كازاراني على بعد 20 كلم مبررة ذلك بحماية المشاركين من الفقراء الكينيين ! إنه ادعاء لا يتقبله العقل. فما الغاية من المنتدى الاجتماعي العالمي إذا لم تكن بالدرجة الأولى الاحتكاك بالفئات المستضعفة من الشعب.

عسكرة المنتدى الاجتماعي العالمي هاته كان الهدف الحقيقي منها حماية التجار والرأسماليين وضمان تحقيق الأرباح المتوقعة. لذلك كانت المراقبة مشددة ومنع أي شخص غير مسجل من ولوج الملعب. بل الأغرب من ذلك أنه تم اعتقال أربعة أشخاص لبضعة ساعات يوم 22 يناير بتهمة عدم حمل الشارة !

بهذا المنطق يكون المنتدى الاجتماعي حكرا على فئة من المجتمع دون أخرى مما يجعله متناقضا مع الأهداف التي أسس من أجلها.

3- ضخامة اللوجستيك وتكاليف باهضة: أقدمت اللجنة المنظمة على شراء وكراء جميع اللوازم والمعدات، آلاف من الكراسي وعشرات من الخيام وأروقة العرض الجاهزة.. مما جعل الطاقة الاستيعابية تصل إلى 80 ألف مشارك، بينما عدد الحضور بنيروبي لم يتعد 15 ألف شخص. كما تم تأجير « متطوعين » بمبلغ 700 شيلين في اليوم ( حوالي 100 درهم).

ورفضت اللجنة المنظمة التعامل مع مجموعة بابل للمترجمين المتطوعين، الذين راكموا ما يكفي من التجربة والخبرة، وقامت بتأجير متطوعين كينيين أبانوا عن ضعف قدرتهم على الترجمة بالرغم من تقاضيهم مقابل ترجمتهم الهزيلة لمبلغ 100 دولار يوميا.

لقد تم صرف أموال باهظة[5]  فاقت بكثير حجم المشاركة دون التفكير في توفير معدات فعالة للترجمة. 

وبالرغم من هذه الأخطاء الفادحة وغيرها فإن المنتدى الاجتماعي العالمي بنيروبي عرف نقاشات غنية وتحاليل نقدية للسياسات الليبرالية وللإيديولوجية الإمبريالية السائدة. كما تميز هذا المنتدى الاجتماعي بحضور بارز للحركات الاجتماعية الإفريقية والعالمية، مكنت من التعريف بمختلف التجارب والنضالات والتضامن مع المقاومة بالعديد من الدول الإفريقية. وعبرت الحركات الاجتماعية العالمية في أكثر من مناسبة عن دعمها وتضامنها مع الفئات المهمشة بكينيا ونددت بإقصائها من المنتدى الاجتماعي العالمي.

 هذا، وعقدت الحركات الاجتماعية لقاءات يومية ونظمت عدة أنشطة مشتركة. وتوجت أشغالها بالجمع العام الذي حضره حوالي 2000 مشارك تحت شعار « نضالات إفريقية نضالات عالمية ». صدر عنه نداء عبر من خلاله المشاركون عن تنديدهم بالطابع التجاري والعسكري لفضاء المنتدى الاجتماعي العالمي وعن قلقهم بخصوص حضور منظمات مشبوهة. كما عبروا عن تضامنهم مع الحركات الاجتماعية بأمريكا اللاتينية التي قادت نضالاتها المتواصلة اليسار إلى الحكم في العديد من الدول. وطالبت الحركات الاجتماعية بالتعبئة الدولية ضد مجموعة الثمانية خلال شهر يونيو 2007 بألمانيا.

آفاق الحركات الاجتماعية العالمية

تعرف الحركات الاجتماعية العالمية تطورا في دينامكيتها وتوسعا في مكوناتها. فنجد منها الحركات النسائية والحقوقية والبيئية وحركة الطريق القروي فياكومبيسينا والحركات المناضلة ضد الامبريالية والحروب. وأخرى تناضل ضد المؤسسات الاقتصادية الدولية. وتلك التي تشتغل على مواضيع محددة كالديون بالنسبة للجنة إلغاء ديون العالم الثالث ويوبيل الجنوب. وهناك أيضا حركات قارية وعالمية كما هو الشأن بالنسبة للتحالف الاجتماعي القاري بأمريكا اللاتينية وحركات البدون (No Vox) والحركة من أجل العدالة الشاملة وغيرها كثير. كلها تعودت على اللقاء في المنتديات الاجتماعية لتحديد أجندة نضالاتها المشتركة كما حدث في مارس 2003 حينما خرج إلى الشوارع أزيد من 15 مليون شخص في اليوم العالمي ضد الحروب.

وإذا كانت الحركات الاجتماعية تمر بتحولات تاريخية هامة فإن الظرفية الدولية في تغير وتطور مما يفرض عليها تحديد مواعيد خارج المنتديات الاجتماعية والتحركات العالمية من أجل التطرق للمسائل الاستراتيجية وكيفية وضع البدائل المقترحة موضع التنفيذ. على هذا الأساس كانت الحركات الاجتماعية قد التقت في بروكسيل عند نهاية شتنبر وبداية أكتوبر 2006. أعتبر هذا اللقاء ناجحا حضره 80 مشاركا يمثلون عشرات من الحركات والمنظمات المناضلة من أمريكا، أوروبا، أسيا وإفريقيا. مما ساعد على القيام بتحليل دقيق للظرفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية. وطرحت عدة قضايا للنقاش وتساؤلات مختلفة حول الحركة الاجتماعية نفسها، من تمثل وماذا تريد وما هي استراتيجية تحركاتها المقبلة وما علاقتها بالمنتدى الاجتماعي العالمي، وبالمقاومات الأخرى، وأية علاقة مع الحاكمين خاصة بأمريكا اللاتينية… وخلص المشاركون إلى تحديد أولويات الاشتغال المشترك في أربعة مواضيع هي الحرب والسيادة الغذائية والنساء والديون. وأفرز اللقاء لجنة للمتابعة يقتصر دورها على ما هو تقني كنشر التقرير، الإعداد للقاءات المقبلة، خلق موقع على الأنترنيت، الخ.

لقاء بروكسيل سرعان ما ظهرت أهميته، بحيث كان التنسيق سهلا خلال المنتدى الاجتماعي العالمي بنيروبي. كما أن مقترحات الحركات الاجتماعية تم تبنيها في اجتماع المجلس الدولي للمنتدى الاجتماعي العالمي. وخاصة منها ما تعلق بتنظيم أيام للتعبئة العالمية في يناير 2008 عوض المنتدى الاجتماعي العالمي. ومباشرة بعد منتدى نيروبي تم خلق لائحة إلكترونية ستسهل التنسيق أكثر ما بين الحركات الاجتماعية، تبادل الأفكار والتجارب وكذا التضامن فيما بينها ورد الفعل السريع إزاء أي قمع يمكن أن تتعرض له الحركات الاجتماعية، كما حدث مؤخرا على إثر اعتقال مناضلين من حركة برلمان الشعب بكينيا، أو بعد اعتقال الكاتب العام للجنة من أجل إلغاء ديون العالم الثالث- فرع فرنسا- خلال شهر نونبر 2006 بالنيجر. وعبر هذه اللائحة الالكترونية يتم الآن الإعداد للقاء المقبل للحركات الاجتماعية في أوائل يونيو 2007 بألمانيا.

هكذا تكون الحركات الاجتماعية العالمية قد دخلت مرحلة بداية توحيد جهودها لمواجهة الهجوم النيوليبرالي والمخططات الإمبريالية. وطبيعي أن يتم ذلك ببطء وتردد. فلم يكن بالهين مثلا الاتفاق على أولويات المرحلة باعتبار تنوع هذه الحركات واشتغالها على مواضيع مختلفة، لولا الوعي بصعوبة الظرفية وضرورة التصدي المشترك للسياسات والمخططات الرأسمالية.

إن الظرفية العالمية الراهنة المتسمة بتعميم الحروب بغية السيطرة على ثروات العالم، وتبريرها بمبررات واهية من قبيل مكافحة الإرهاب. إضافة إلى تسريع وتيرة تطبيق السياسات الليبرالية وما يترتب عن ذلك من نتائج كارثية على الفئات الكادحة والمهمشة من المجتمعات، يستوجب على الحركات الاجتماعية العمل على المزيد من التنسيق والتقارب. مما يعني تكثيف اللقاءات وتوسيع القاعدة خاصة في اتجاه الجهات ذات التمثيلية الضعيفة، كما هو الحال بالنسبة للحركات الاجتماعية الإفريقية والعربية. هذه الأخيرة عليها أن تقوي علاقاتها في اتجاه التنسيق حول مجموعة من القضايا المتشابهة بالعديد من الدول العربية. خاصة وأن الحركات الاجتماعية العربية هي الأكثر تعرضا للتجريم والقمع والاعتقال اعتبارا لطبيعة الأنظمة العربية الحاكمة.

                                                                                                       ميمون الرحماني


–  ميثاق مبادئ المنتدى الاجتماعي العالمي المعروف بميثاق بورتو أليغري. [1]

[2]– 850 درهم بالنسبة للمشاركين من دول الشمال و300 درهم للمشاركين من دول الجنوب. وأما ثمن تسجيل الأنشطة ( ندوات وورشات )، فقد تراوح ما بين 1000 و5500 درهم.

– التسجيل للمشاركين من كينيا بلغ 500 شيلين ، أي ما يعادل 6 دولارات وهو الدخل الأدنى لأسبوع من العمل.[3]

[4]– بيعت المواد الغذائية ب 3 إلى 4 أضعاف أثمانها. أضخم مطعم يملكه وزير الداخلية الكيني، عميل سابق لبريطانيا شارك في عمليات قمع وتعذيب في سنوات التسعينيات.

– بلغت تكلفة المنتدى الاجتماعي العالمي بنيروبي 3 ملايين من الدولارات.[5]

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s