المنتدى الاجتماعي الأوربي في دورته الخامسة: مالمو 17-21 شتنبر 2008

احتضنت مدينة مالمو السويدية أشغال المنتدى الاجتماعي الأوربي في دورته الخامسة من 17 إلى 21 شتنبر 2008. حضر المنتدى 12 ألف مشاركة ومشارك (منهم نسبة كبيرة من الشباب)، وهو رقم ضعيف مقارنة مع المنتديات الاجتماعية السابقة (35 ألف بأثينا سنة 2006) خاصة وأن اللجنة المنظمة كانت تتوقع حضور 20 ألف مشارك. ربما قد يرجع ذلك إلى ضعف التعبئة وإلى خاصيات المنطقة (شمال أوربا) المناخية، من جهة، وضعف الحركات الاجتماعية، من جهة أخرى. غير أن تنظيم المنتدى بمدينة مالمو التي لا تبعد عن عاصمة الدنمارك كوبنهاغن إلا ببضعة كيلومترات سهل عملية التنقل عبر مطار هذه الأخيرة، ومكن أيضا (وهذا أمر إيجابي) من حضور مهم ووازن لحركات مناهضة العولمة من السويد ومن الدول المجاورة (الدنمارك، ألمانيا، النرويج…) وكذا من دول أوربا الشرقية. إلا أن الحضور الأكثر أهمية هو ذلك الذي سجلته الجمعيات والنقابات والحركات الاجتماعية القادمة من فرنسا وبلجيكا. وللإشارة فإن مشاركة المنظمات غير الحكومية والجمعيات الكنائسية كانت ضعيفة هذه المرة عكس ما حدث بأثينا وبنيروبي على سبيل المثال. وعرف المنتدى أيضا حضورا مهما لأمريكا اللاتينية سواء من حيث المشاركين ولا من حيث الأنشطة المنظمة، وآسيا وبعض الدول العربية. في حين لوحظ غياب ممثلين من إفريقيا جنوب الصحراء.

من الناحية التنظيمية عرف المنتدى مجموعة من الاختلالات ترجع أساسا إلى ضعف التجربة لدى اللجنة « النورديكية » المنظمة، التي لم تكلف نفسها حتى عناء وضع إشارات وعلامات  ولافتات بالمدينة تسهل عملية وصول المشاركين إلى مقاصدهم وتطفي صبغة إعلامية على المنتدى. فلعل الزائر لمدينة مالمو لأول وهلة لا يمكنه أن يتصور أبدا أنها تحتضن لقاء أوربيا كبيرا من حجم المنتدى الاجتماعي. ومما زاد الأمر تعقيدا هو تنظيم الورشات والندوات في أماكن مختلفة من المدينة مما جعل المشاركين يجوبون الشوارع والأزقة، وهم يحملون خارطة المدينة، بحثا عن مقاصدهم في غياب شبه تام لعلامات وإشارات… ! وجل سكان هذه المدينة السياحية لم يكونوا على علم بما يحدث خلال هذا الأسبوع. هذا، ورغم أداء المشاركات والمشاركين لثمن 100 كورون سويدية (10 أورو) مقابل الحصول على بطاقة التنقل عبر حافلات النقل الحضري إلا أن سائقي الحافلات لم يكونوا على علم وغالبا ما كانوا يطالبون بأداء ثمن التذكرة نقدا.. !

وسيتفاقم الوضع التنظيمي جراء مشاكل الترجمة، فما يفوق 85 % من اللقاءات والورشات تمت باللغة الانجليزية بالرغم من حضور 350 متطوع عن مجموعة بابل للترجمة والذين لاقوا صعوبات كبيرة بسبب الأعطاب التقنية، من جهة، وصعوبة التنسيق مع اللجنة المنظمة التي رفضت تعويضهم نقدا عن تذاكر سفرهم ! هذا، وبالرغم من الميزانية الضخمة للمنتدى والتي بلغت 2 مليون أورو، فحتى الجريدة المتضمنة لبرنامج المنتدى طبعت منها أطنان (لم يتم توزيع حتى نصفها) فقط باللغتين السويدية والإنجليزية في تجاهل تام للتعدد اللغوي. كما بيعت مئات (وربما آلاف) من أجهزة الراديو الخاصة بالترجمة ولم تستعمل لذات المشاكل التقنية. فرغم توفر الآليات التي أحضرت من اليونان (ALIS- نظام الترجمة البديلة) وتطلب تركيبها جهدا كبيرا لم تستعمل في غالب الأحيان نظرا لغياب التقنيين المختصين، وأسندت هذه المسؤولية لأحد الشباب المتطوعين الذي ظل مغلوبا على أمره لأن ليست له خبرة في هذا المجال !!

وبالرغم من هذه المشاكل (وغيرها) ذات الطابع التنظيمي، فإن المنتدى الاجتماعي الأوربي عرف نقاشا ممتازا ومتميزا في العديد من الورشات وتنوعا في المواضيع: المسألة الاجتماعية (أوربا الاجتماعية)، الخدمات الاجتماعية، الهجرة، التحولات المناخية (التي عرفت حضورا مكثفا واهتماما كبيرا)، السياسات الجبائية، البطالة وهشاشة الشغل، الحروب والعسكرة، الأزمة المالية العالمية، السيادة الغذائية، النيوليبرالية الأزمة والبدائل، مستقبل المنتدى الاجتماعي العالمي… كما تم تنظيم العديد من الأنشطة الثقافية والفنية.

هذا، وقد عرف النقاش حول مستقبل المنتدى الاجتماعي العالمي حضورا مهما سواء من حيث عدد المشاركين أو من حيث « الشخصيات » الحاضرة أو المؤطرة، مثال شيكو و نويما من البرازيل، كيس ماسياح وبرنار كاسن وسوزان جورج من فرنسا وغيرهم كثير من ممثلي الحركات الاجتماعية من أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وبالرغم من هذا الحضور الهام (الوجوه المؤسسة لدينامية المنتديات الاجتماعية)، فإن المداخلات كانت مخيبة للآمال بحيث وقفت عند حد الوصف والتمجيد ب »المنجزات الهامة » التي حققها المنتدى الاجتماعي على مستوى عالمي وإشارة للنقاشات الحالية لتطوير الدينامية (مداخلة كوستاف ماسياح). لحسن الحظ تلا ذلك سيلان من الانتقادات من داخل القاعة، وفي هذا الصدد وصف أحد المشاركين من إيطاليا المنتدى الاجتماعي الأوربي ب »السري » في إشارة إلى تشتت الأنشطة وتنظيمها في أماكن مختلفة ومتباعدة. وتطرقت نويما من البرازيل في مداخلتها للإعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي المقبل (بيليم- البرازيل يناير 2009) مركزة على المنهجية الجديدة المقترحة والمتمثلة في تخصيص اليوم الأول من المنتدى لتطوير التحاليل، واليوم الثاني للأنشطة المحلية مع ربطها بالعالمي، واليوم الثالث لمختلف الأنشطة المقترحة. في حين يخصص اليوم الرابع لتجميع المقترحات والبدائل في إطار الجموعات العامة الموضوعاتية (من 10 إلى 15 جمع عام) واليوم الخامس والأخير لباقي الأنشطة والمسيرة.

ولعل المثير للدهشة والاستغراب في هذا اللقاء هو أنه خلال 3 ساعات و20 دقيقة من النقاش لم يذكر أي أحد شيئا اسمه « الجمع العام للحركات الاجتماعية »..!! والمضحك في الأمر أن إحدى المتدخلات اقترحت الاهتمام بالجانب الرياضي وتنظيم ماراطون يجوب الشوارع والأحياء الفقيرة بالمدينة بدلا عن المسيرة المبرمجة في آخر يوم من المنتدى الاجتماعي العالمي ببيليم.. !!وداعا أيتها الحركات الاجتماعية.. !   وأما برنار كاسن (الرئيس السابق لأطاك فرنسا وأحد مؤسسي المنتدى الاجتماعي العالمي) تطرق لما أسماه ب »ما بعد العولمة البديلة »- Post-altermondialisme –  الذي يمكن اعتباره كفضاء مكمل، وليس بديل للمنتدى الاجتماعي، يجمع كل من الحركات الاجتماعية والحكومات اليسارية التقدمية (في إشارة لحكومات بعض الدول بأمريكا اللاتينية) والأحزاب السياسية اليسارية الراديكالية. وللإشارة فهي تقريبا نفس الفكرة التي كان قد طرحها هيغو شافز في المنتدى الاجتماعي العالمي اللاممركز بكاركاس سنة 2006.

وقد نظمت الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء ديون العالم الثالث مجموعة من الأنشطة، وشاركت بمداخلات في أنشطة أخرى. وهكذا تم عرض شريط « نهاية الفقر؟ » بحضور المخرج فليب دياز وعدد كبير من المهتمين ولاقى استحسانا من قبل الحضور، تلاه نقاش هام حول إشكالية الفقر وعلاقته بالأزمة الغذائية، الديون وغيرها من المواضيع. يصور لنا الفيلم، في جولة عبر الأحياء الفقيرة بأمريكا اللاتينية وإفريقيا ومن خلال توضيحات المختصين (رجال السياسة والاقتصاد والناشطين بالحركات الاجتماعية العالمية)  وشهادات المتضررين، كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الفقر في الوقت الذي تنهب الأمم الغنية ثروات العالم على حساب التنمية الشاملة مسببة مزيدا من التفقير والتفاوتات الاجتماعية. ولتوضيح الأسباب الحقيقية لهذا الفقر المدقع والبنيوي يرجع بنا الشريط إلى الحقبة الاستعمارية، منددا باحتلال الأراضي واستغلال الثروات الطبيعية ومنتقدا لاقتصاد السوق وتنامي مديونية دول العالم الثالث.

 كما نظمت اللجنة من أجل إلغاء ديون العالم الثالث ورشات حول مواضيع مختلفة: الديون غير الشرعية والكريهة وتدقيقات الديون، الأزمة الغذائية وغلاء المعيشة، السيادة الغذائية، الأزمة المالية « الأسباب، الخاصيات، النتائج والبدائل »، البدائل والتجارب الجديدة بأمريكا اللاتينية – الألبا،  أو البديل البوليفاري لأمريكا ( ALBA)، بنك الجنوب…

أما مجموعات أطاك أوربا فقد عقدت اجتماعا لها في اليوم الأول من المنتدى، ونظمت بدورها مجموعة من الأنشطة المشتركة، كان من أهم خلاصاتها تحديد تاريخ 15 أكتوبر لإطلاق حملة مشتركة ضد الأزمة المالية العالمية. وهو التاريخ الذي دعا فيه ساركوزي إلى قمة أوربية لإيجاد أجوبة أوربية للأزمة. وتم أيضا اختيار تواريخ 24 و25 أكتوبر (ذكرى الأزمة المالية 1929) للتحرك على مستوى اللجان المحلية لأطاك أوربا حول ذات الموضوع.

وبدورها نظمت الشبكة الأوربية من أجل الخدمات العمومية، المنبثقة عن المنتدى الاجتماعي الرابع بأثينا في 2006، ورشة في مرحلتين خلصت إلى الدعوة إلى التعبئة الشاملة قبيل الانتخابات الأوربية بهدف جعل الخدمات العمومية في صلب النقاش ومساءلة المؤسسات الأوربية والمنتخبين بشأنها. وكذا إطلاق حملة إعلامية من أجل الدفاع عن الخدمات العمومية والمطالبة بتحسين جودتها ودمقرطتها، إضافة إلى دعم النضالات المحلية والعالمية ضد الخوصصة وتأثيراتها.

ولعل أهم ما ميز المنتدى الاجتماعي الأوربي الخامس هي المسيرة الضخمة التي جابت شوارع مدينة مالمو ظهر يوم السبت 20 شتنبر لأزيد من ثلاثة ساعات ونصف، والتي شارك فيها حوالي 15 ألف متظاهر من مختلف الأطياف مع حضور أكثر إثارة للشباب وخاصة ما يعرف بمجموعة « بلاك بلوك ». وقد مرت المسيرة في أجواء شبه احتفالية غلب عليها الطابع الموسيقي. في حين بدت مجموعات أطاك أكثر تنظيما رفعت شعارات ضد الرأسمالية والنيوليبرالية تقدمها شباب حملوا لافتة أكثر راهنية منددة بالأزمة المالية العالمية.

وتوج المنتدى الاجتماعي الأوربي بعقد الجمع العام للحركات الاجتماعية والذي عرف حضورا هاما بالرغم من برمجة اللجنة التنظيمية لمجموعة من الجموعات العامة الموضوعاتية تقريبا في نفس الفترة الزمنية، فكان أن تم تأخيره بحوالي ساعة بشكل متعمد بهدف تقديم خلاصات حوالي 20 جمع عام موضوعاتي. وكانت الحركات الاجتماعية قد عقدت ثلاث اجتماعات تحضيرية قبل أن تخلص إلى توافق بشأن تصريح عبرت من خلاله عن قلقها بشأن ما أسمته ب « سياق الأزمة الشاملة » التي تتجلى في جميع المجالات: أزمة اقتصادية ومالية، ارتفاع الأسعار وأزمة غذائية، الخوصصة وتفكيك الخدمات العمومية، تفكيك السياسة الفلاحية المشتركة، اتفاقات الشراكة الاقتصادية، تقوية القلعة الأوربية ضد المهاجرين، إضعاف الحقوق المدنية والديمقراطية، قمع متزايد، تدخل عسكري في النزاعات الخارجية، قواعد عسكرية… كل هذا في عالم تزداد فيه التفاوتات والفقر والحرب الشاملة يوما عن يوم. ويوضح التصريح أنه في ظل هذا الوضع هناك بدائل ممكنة من أجل العدالة الشاملة والبيئة السليمة ومن أجل الحرية والديمقراطية. وحددت أربع محطات أساسية للتعبئة والتحرك الميداني خلال السنة المقبلة:

1-      إطلاق حملة أوربية مشتركة ضد السياسات الاجتماعية بالاتحاد الأوربي، عبر مجموعة من المحطات النضالية بدءا بباريس في دجنبر 2008 و بروكسيل في مارس 2009.

2-      تعبئة شاملة بمدينة ستراسبورغ وبباقي المدن الأوربية يوم 4 أبريل ضد منظمة حلف الشمال الأطلسي وضد الحروب بمناسبة الذكرى الستينية لتأسيس الناتو.

3-      الدعوة إلى التعبئة الشاملة يوم 6 دجنبر 2008 في بوستدام  (جنوب برلين بألمانيا)  وفي جميع أنحاء العالم ضد أزمة التحولات المناخية، وإلى تنظيم تحركات واحتجاجات دولية ضد قمة كوبنهاغن (الدنمارك) حول التحولات المناخية في دجنبر 2009.

4-      التعبئة ضد مجموعة الثمانية – G8 – بإيطاليا في يوليوز 2009.

                                                                                                ميمون الرحماني

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s